الأحد، 27 أكتوبر، 2013

موسيقى

حين تصدح بداخلي تنهدم كل جنبات الغرفة وتمتزج في سيولة غريبة مكونة أمواجا برتقالية وزرقاء وبنفسجية سيريالية الملمس والاحساس. يهتز رأسي في نشوة وتبدأ أطراف فمي في الارتفاع عاليا على الجانبين .. ابتسم وأسعد وأتوّج رأسي بتاج من الأنغام المُنمقة بينما تنفذ هي في كل طبقاتي طبقة تلو الأخرى حتى تصل إلى الجوهر .. الجوهر الذي هو لُب الروح والقلب والعقل المُنتشي ..

هذه ليست سوى بعض الأحاسيس المُغترفَة من سماع المقطوعة .. المقطوعة التي قد تتأرجح بين نغمات باشلبيل وبيتهوفن وتوسلات الناي شديد التصوف وبين مرح وسرعة أغاني دوريس داي وموسيقى البوب والصوت الشجي المصري الأصيل لسيد درويش وخليفته الحالي محمد محسن.

كم تُغدق الموسيقى علينا من انطباعات ومن أحلام وحسرات .. كم تثير أفكارا ولوعات..
ادندن "ساعة بقرب الحبيب" أمام المرآة قبل لقاء الحبيب وتمتزج آهات أم كلثوم ببكائي الداخلي حين تصدح بـ" وعزة نفسي مانعاني"، أما عبد الوهاب فلا يفتأ يتحدث عن تلك الحالات المتقلبة لحبي كأنه يعاصرني حتى لأكاد أشاهدني مع روح الروح حين يسمح الزمان وأنا أسهر معاه على شط النيل أثناء خوفي من أن أقول له اللي في قلبي فيتقل ويعاند ويايا.

أما حين أمرض وأتوعك قليلا أو أتوقف لانشغالي عن سماع الموسيقى أشعر حقا بالنقص .. هناك ما ينقصني .. تنقصني نغمات شجية أو سريعة تعيد اللحن إلى حياتي وتُعيد إليّ احساسي بالحياة وبالمتعة واللون ما ذلك إلا لتعودي على النغمات منذ الصغر وادماني الجميل لها.

كانت أمي تحرص على شراء الأشرطة المتنوعة وتُشركنا أنا وأخي في اختيارها فنسمعها في السيارة حين توصلنا للمدرسة صباحا أو حين تأخذنا في مشاوير في الإجازة الأسبوعية أو الصيفية .. أما أبي فمتعهد الموسيقى الكلاسيكية في البيت وهما الاثنان يعشقان الأغاني القديمة التي كنت لا أتذوقها قديما .. وكانت ولا تزال أمي تدندن الأغاني التراثية التي حَفِظَتها في صغرها أو في مدرستها وأسألها أنا بالطبع عنها وعن صاحبها ثم كما يستلزم قانون الدندنة تعلق معي في بعض الأوقات وأدندنها بدوري وكأنني تشربت موسيقى جيلي وجيلها معا.

ويحكي أبي والدكتور محمد أبو الغار في كتابه "على هامش الرحلة" – وهما من مواليد الأربعينات- عن وجود مكتبة في فترة شبابهما لسماع الموسيقى في وسط البلد كانت مزودة بقاعات عازلة للصوت للاستماع لاسطوانات الموسيقى الكلاسيكية وكأنك تحضر فيلما في السينما .. لكن للأسف مكان عمارة مكتبة الموسيقى الآن جراج كبير.

كانت ولا تزال الموسيقى حديث الروح للروح ينساب من زمن إلى زمن ومن روح إلى روح كالماء القُراح تصل بين القلوب والشعوب بكل أشكال التعبير إلى جوهر الأحاسيس.
تتطور أشكال الموسيقى بتطور المجتمعات فالموسيقى والأغاني الشعبية –رغم وجهة النظر التي تحط في أحيان كثيرة من قدرها- تمثل أمزجة ووجدان الناس وما يفكرون به في فترة صدور الأغنية أو انتشار نوع أو شكل وتيمة معينة من الموسيقى والغناء .. فنلاحظ انتشار اسم "زغلول" بكافة أشكاله ودلالاته في أوائل القرن العشرين حين كان مُحرمَا ذكر اسم الزعيم سعد زغلول. و"ناصر" أو "الزعيم" في منتصفه في تأريخ مذهل للأحداث بالأغاني بصوت حليم وأم كلثوم وغيرهما أما العشاق فاهتموا بـ"الحسد" و"العزول" في الأغاني حتى منتصف القرن العشرين وأغاني "الحرية والحماسة والتمني" في فترتنا الثورية الحالية، إلى جانب الأغاني التي تتناول المشكلات الاجتماعية والاقتصادية العديدة الحالية وكل ما يخطر على بالك فالابداع والابتكار لا يعرف حدودا.

ويكفيني احساسا بالموسيقى أن أتذكر حين استمعت مرة لأغاني دوريس داي المرحة والتي منعت لدرجة كبيرة احساس سيء بالغضب وما يستتبعته من قولون عصبي بغيض حتى إنني آمنت بالتأثير الجميل للموسيقى حتى على الأبقار المُدللة الحلوب. : )

هذه هي الموسيقى .. من أنغام الهارب الفرعوني الذي يسحبك إلى ضفاف مياه النيل الرقراقة إلى آخر جملة من أغنية كُتبت في لحظتنا هذه.

انفتح على الموسيقى واستمع لأنواعها .. اغترف الكثير من المعين الذي لا ينضُب فقد يأخذك نوع كنت ترفضه أشد الرفض يوما ما إلى سماء السعادة وأنغامها.. استمع لما كنت تحبه قديما لترى نفسك صغيرا مرة أخرى .. لتعيد تقييم ما أحببته بخبرة أكثر أو لتستمتع له كما هو وتستدعي فيض الذكريات الجميلة الماضية وحسب. فالموسيقى فوق كل شيء تجربة من تجارب الحياة الغنية فلا تفوتها عليك .. أبدا.